كان هنا ذات يوم، بشاطئ لكَزيرة "Lagzira" الشهير، قوس صخري ضخم طبيعي، يبعد مسافة عشر كيلومترات عن مركز مدينة سيدي افني بجنوب المغرب، ظل يستقطب الزوار والمصطافين والسيّاح والمستشهرين وصناع السينما من مختلف أنحاء العالم، ليستفيد السكان المحليون ولو نسبيا من جماليته وروعة باقي المآثر الطبيعية العذراء، وينعش زواره بين الفينة والأخرى اقتصادَ المدينة المرتكز أساسا على السياحة الشاطئية والصيد البحري..
صورته ظلت تملأ صفحات المجلات السياحية العالمية والوطنية. هو في الأساس جبل ممتد على حافة شاطئ جميل، حَفرتْهُ ونَحتَتْه حركة أمواج البحر ومُلوحته على مهْل، وتناوبت عليه حركات المد والزجر، فجعلته ممرا طبيعيا خلابا ظل صامدا لعقود.. ؛ هنا لِكُلٍّ قصته مع هذا القوس قبل انهياره، تأبى ذاكرته أن تنسى اللحظات الجميلة التي قضاها بالقرب منه أو تحته، حتى أصابع المدوّنين تَبكيه على صفات المواقع الالكترونية والاجتماعية، فكانت سبّاقة لنشر الخبر معززة ذلك بصور، قبل أن تلتقطه بعض القنوات التلفزية معلنة نبأ انهياره ولو بعد حين.
رشيد نجيم، شاب إفناوي غيور على وطنه وموطنه، يهوى تركيب أبراج من الحجارة المتراكبة على الشاطئ قرب القوس، يتأسّى على حال المدينة المهمّشة وطنيا ويحمّل المسؤولية أكثر لساكنتها. رشيد ربَط علاقة حميمية مع هذا القوس وداوم على التقاط صور له ولشاطئ لكَزيرة، ليتقاسم الاستمتاع بجماليتها مع زوار أربع صفحات "فايسبوكية" أسسها لهذا الغرض؛ "القوس له طابعه الخاص في وجداني.. ظل متنفسي الوحيد.. أجد راحتي هناك.. أقرأ، أسبح، أشرب الشاي رفقة الأصدقاء، أصنع أبراج الحجارة..؛ أجمل ذكرياتي نسجتها هناك.."، الكلام لرشيد الذي لم يتردد في تقديم أمثلة لصور تلك الأبراج، مُضيفا:
"لقد كنت شاهدا على العديد من كواليس تمثيل الأفلام والإشهارات لقنوات دولية في غياب مراقبة حقيقية..؛ غالبا ما ترسل السلطات المحلية رجلين من الدرك الملكي لمنع المصطافين من المرور إلى مكان التصوير، دون الاهتمام بحماية تلك المعالم الطبيعة..؛ أتذكر ذات يوم تَمّ وضع أربعة مولدات كهربائية تعمل بالبنزين لأربعة أيام متوالية على ظهر القوس أثناء التصوير، بعد أسبوع تساقطت بعض الصخور من القوس، بعد شهر برزت تشققات أكبر ليسقط نصف القوس تقريبا..؛ أَسّستُ جمعيةً للنظافة والتنمية المستدامة رفقة بعض الأصدقاء الغيورين على الشاطئ، وفي مقدمتهم محمد جبارة..؛ قمنا بمبادرات وبذلنا جهدا دون جدوى، ولم نتلقى دعما لا من رئيس الجماعة ولا من المسؤولين ولا من أصحاب المشاريع الفندقية بالشاطئ باستثناء أحد المستثمرين..".
الحسين زربان، فوتوغرافي، لازال يحتفظ ببعض الصور لهذه المـَعْلمة الطبيعية فضلا عن معالم أخرى بالمنطقة، رغم تعرّض استوديو تصويريه للسرقة، يقول: "سقوط القوس الذي نعتبره جوهرة شاطئ لگزيرة لا يعني أن الشاطئ المصنف عالميا كأحد أجمل الشواطئ الطبيعية قد فَقَد مكانته..، أكيد أن المنطقة تزخر بمناظر أروع مثل الأسد الصخري الضخم، لكن لابد من التأكيد مجددا على ضرورة حمايتها واستثمارها للنهوض بالمنطقة اقتصاديا".
العوامل التي أوجدت القوس الجبلي بالأمس أسقطته اليوم في غياب استراتيجية للحفاظ على المآثر الطبيعية بالمنطقة، لينضاف إلى قائمة مفقودات الإقليم الذي فقدَ الكثير من بنيته التحتية إثر الفيضان الذي ضرب الإقليم ما قبل السنة الماضية. والطبيعة لا تنتظر تدخل المسؤولين ولا تخاطب ود أحد، المياه بدأت تسحب أجزاء القوس المتحطمة إلى حضنها لتغيّر جغرافيا الشاطئ من جديد، متفرجة على حال الوافدين إلى عين المكان والذهول يغمر أعينهم، يتحسّرون على ماضٍ جميل ليس ببعيد.
ربطنا اتصالا هاتفيا برئيس جماعة تيوغزة التابعة لإقليم سيدي إفني، فطلب بعض الوقت قبل معاودة الاتصال، اتصلنا مرة أخرى، وبعد تأكيده لتبعية شاطئ "لكزيرة" للجماعة التي يرأسها اعتذر عن اتمام الحوار لانشغاله باجتماع..
وبالعودة إلى ما سمته وزارة السياحة المغربية بـ"رؤية 2020"، نجد إقليم سيدي افني يتموقع ضمن منطقة سوس صحراء الأطلسي، وأن الدولة تعمل على إعادة تموقع العرض الرّاهن في هذه المنطقة وإنشاء جيل جديد من المركبات الشاطئية، لكنها لم تُشر إلى حظ هذا الإقليم من تلك المشاريع، وقدمت مثالا ل"الشاطئ الأبيض" بكَلميم الذي سيشمل أكبر منتجع مدمج في المغرب، إضافة إلى منتجع بيئي جديد بطرفاية؛ حيث من المرتقب أن تصبح منطقة سوس صحراء الأطلسي وجهة "الترفيه والاستجمام تحت الشمس" بتقديمها لمنتجات تنشيطية هامة (مدينة الترفيه بأكادير والحدائق المائية بكلميم) وتوفرها على برنامج فعاليات غني؛ فضلا على تثمين تراث المناطق والضواحي الخلفية وتطويره: وذلك من خلال إحداث أنشطة قروية بتافراوت وإموزار وإداوتنان...، وإيواء أصيل وتجهيزات ثقافية (متاحف ومراكز تعريفية). فأين سيدي إفني من كل ذلك !؟.
من محاسن تكنولوجيا التصوير والتخزين الاحتفاظ بالمشاهد صوتا وصورة لمختلف الموجودات المادية في ذاكرات رقمية، مَشاهد التقطتها عدسات آلات التصوير والهواتف الذكية للهواة والمحترفين، قد تسعف آباء وأجداد المستقبل لإقناع أبنائهم أن قصة سقوط ساق الفيل العملاق ليست أسطورة، قصة قوس جبلي طبيعي كان هنا بسيدي إفني ذات يوم وأسقطه الإهمال واللامبالاة، وقد يأتي الدور على المعالم الطبيعية الرائعة المتبقية.